محمد الغزالي

147

فقه السيرة ( الغزالي )

قريش والإسراء : فلمّا كانت صبيحة هذه الليلة المشهودة حدّث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس بما تمّ له ، وما شهد من آيات ربّه الكبرى . والذين كذّبوا أن يقع وحي على الأرض أتراهم يصدّقون به في السماء ؟ ! . لقد طاروا يجمع بعضهم بعضا ؛ ليسمعوا هذه الأعجوبة ، فيزدادوا إنكارا لرسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وريبة من أمره ، وتحدّاه بعضهم أن يصف بيت المقدس ، إن كان راه هذه الليلة حقا ! . عن جابر رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لمّا كذّبتني قريش ، قمت في الحجر ، فجلّى اللّه لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته ، وأنا أنظر إليه » ! ! « 1 » . ويقول الدكتور هيكل : « أحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالروح في هذا ؛ لما رأوا فيه عجبا ، بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدّث عن أشياء واقعة في جهات نائية . . . فما بالك بروح يجمع واحدة الحياة الروحية في الكون كله ؟ ! ويستطيع - بما وهب اللّه له من قوة - أن يتّصل بسر الحياة من أزل الكون إلى أبده ! » . ونحن لا نعلّق كبير اهتمام لمعرفة الطريق التي تمّ بها الإسراء والمعراج ، كلا الأمرين حق ترك ثماره في نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فاستراح إلى حمد الخالق ، وقلّ اكتراثه لذمّ الهمل من الجاحدين والجاهلين ، ثم نشط إلى متابعة الدعوة ، موقنا أنّ كلّ يوم يمرّ بها هو خطوة إلى النصر القريب . . ويزعم بعض الكتّاب أنّ فريقا من المسلمين ارتدّ عقب الإسراء والمعراج

--> - وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم » أخرجه أحمد : 3 / 224 ؛ وأبو داود : 2 / 298 ، وسنده صحيح ، وقد روي مرسلا . ولكن المسند أصح كما قال العراقي في تخريج الإحياء : 3 / 123 ، ولأنس حديث اخر في رؤيته صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء الخطباء الذين يقولون ما لا يفعلون ، أخرجه ابن حبان في صحيحه ، رقم ( 52 ) ، وغيره ، وفي الباب أحاديث أخرى عن جماعة من الصحابة ذكر بعضها ابن كثير في تفسير سورة الإسراء ، فليراجعها من شاء . ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 157 - 159 ؛ ومسلم : 1 / 108 ؛ وابن حبان ، رقم ( 54 ) وغيرهم ، وله شاهد مفصل من حديث ابن عباس أخرجه أحمد ، رقم ( 2820 ) ، بسند صحيح .